فؤاد سزگين
200
تاريخ التراث العربي
المذهل هذا بقوله : « حتى ولو حذف الألف قبل الثلاثمائة في الموضعين ولو افترض أن هذا العدد يمثل مجموع رسائل ، كما هو الغالب في الصنعة ، ولا يمثل كتبا ، حتى لو كان الأمر كذلك فإنه يبقى الكثير من الاعتراضات الموضوعية على هذا الفهرس ، بحيث إن رفضه بل وصفه « بالتزييف الفاضح » كان يبدو أمرا محقّا حتى إلى ما قبل سنوات قليلة فقط . وكان لا بد أن يبرز الشك بشكل خاص في المؤلفات الرياضية والطبية التي زعم جابر أنه ألّفها ، إذ كيف يتسنى لعربي أن يكون ، نحو منتصف القرن الثامن ، قادرا على إنجاز مثل هذه الأعمال ، مع العلم بأن أقدم مؤلّف عربي نعرفه في الطب والعلم الطبيعي يرجع إلى عام 850 م ، وأنه لم يكن هناك وحتى مطلع القرن التاسع الميلادي أية ترجمة عربية لأقليدس أو بطليموس ؟ لقد أبطلت اكتشافات السنوات الأخيرة ، التي لم تكن في الحسبان ، هذه التحفظات الناقدة ، ولم تؤد إلى موقف جديد كليّا تجاه عمل جابر بمجموعه فحسب ، وإنما أدت إلى انقلاب جذري في آرائنا حول مصادر العلم العربي « 1 » . ثانيا : إنجازات جابر بن حيان نود ، قبل الشروع في فصل ثالث نناقش فيه الشكوك المعلنة حول شخصية جابر التاريخية وحول صحة مجموعه ، نود أن نكوّن بادئ ذي بدء فكرة حول عمل جابر على ضوء الكتب التي وصلت الينا ، فلربما يكون في ذلك محاولة لمواصلة طريق الانقلاب الجذري الذي أشار إليه روسكا ثم ما لبث أن تخلى عنه هو نفسه ، بعد أقل من سنة لصالح طريق آخر . أما الطريق الآخر فقد أدى بالنتيجة إلى التسليم بأن إنجازات مدرسة صنعوية ، امتد نشاطها من منتصف القرن التاسع وحتى منتصف القرن العاشر الميلاديين ، وجدت ملاذا لها في الكتب المنتشرة باسم جابر . إن أول سؤال يطرح نفسه على الباحث لدى دراسة شخصية جابر التاريخية يتعلق بعدد مؤلفاته الذي يبدو كبيرا إلى حد لا يصدّق ، بيد أن نتائج الدراسات
--> ( 1 ) المصدر السابق ص 22 - 23 .